YouTube video thumbnail
الفنون وتراث الإنسانية | د. سمير الضامر | فديوجراف |

كيف تبني علامتك الشخصية من خلال بحوث التوثيق؟

من كتاب «البشتخته» إلى صناعة الأثر والفرص..

هل فكرت يوماً أن بحثاً توثيقياً تبدأه في قريتك أو مدينتك، وربما لا يلتفت إليه أحد في بداياته، يمكن أن يصنع لك اسماً، ويفتح أمامك أبواباً مهنية ومعرفية لم تكن تتوقعها؟

هل تخيلت أن مقابلة تجريها مع راوٍ شعبي، أو تسجيلاً صوتياً قديماً تحتفظ به، أو صورة تجمعها من أحد البيوت، يمكن أن تكون البداية الحقيقية لبناء علامتك الشخصية؟

سأحدثكم اليوم عن تجربتي مع كتاب «البشتخته»، لا لأروي حكاية نجاح شخصي، وإنما لأشارككم كيف يمكن أن يتحول مشروع توثيقي صغير في بداياته إلى مشروع معرفي كبير، وكيف تصنع المعرفة لصاحبها مكانةً وثقةً وفرصاً لا تصنعها الدعاية وحدها.

بدأت الحكاية من فجوة لم يلتفت إليها أحد!

منذ سنوات مبكرة، كنت أتأمل التاريخ الاجتماعي والثقافي لمنطقة الأحساء، هذه الواحة العريقة التي تختزن في ذاكرتها مئات الحكايات والأصوات والإيقاعات والتجارب الإنسانية.

كنت أقرأ ما كُتب عنها، وأبحث عمّا لم يُكتب.

وكلما تقدمت في القراءة والبحث، اكتشفت فجوة توثيقية عميقة في مجال الفنون الشعبية، وخصوصاً تجارب المطربين والممارسين الأوائل، والأصوات والطروق والإيقاعات التي شكلت جانباً من الوجدان الشعبي الأحسائي.

كانت هناك أجيال غنّت وعزفت وأبدعت، وتركت وراءها ذاكرة فنية واجتماعية ثرية، لكن كثيراً من هذه الذاكرة ظل حبيس صدور أصحابها، أو موزعاً بين أشرطة التسجيل القديمة والصور والوثائق والروايات الشفهية.

وكان السؤال الذي يشغلني:

ماذا لو رحل هؤلاء الممارسون قبل أن نوثق تجاربهم؟ ومن سيكتب تاريخهم إذا لم نبدأ نحن؟

لم أكن أفكر حينها في بناء علامة شخصية، ولا في الظهور الإعلامي، ولا في الفرص الوظيفية.

كنت أفكر في شيء واحد: كيف أنقذ هذا الجزء من الذاكرة الشعبية من النسيان؟

وهنا بدأت الحكاية.

خمس سنوات من البحث.. بعيداً عن الأضواء!

استغرقت في جمع المادة البحثية نحو خمس سنوات.

خمس سنوات من اللقاءات، والمقابلات، وتتبع الروايات الشفهية، والبحث عن التسجيلات القديمة والأسطوانات، وجمع الصور والوثائق، ومقارنة المعلومات، والعودة إلى الرواة للتحقق من التفاصيل.

اعتمدت على منهج الجمع الإثنوغرافي، الذي يقترب من المجتمع وممارساته وثقافته من خلال المعايشة والملاحظة والمقابلات وتتبع الخبرات الإنسانية.

لم تكن المادة البحثية تنتظرني على رفوف المكتبات!

كان عليّ أن أذهب إليها.

إلى بيوت المطربين، ومجالس الممارسين، وأصدقاء الفنانين الراحلين، وأسرهم، وإلى كل مكان يمكن أن أجد فيه خيطاً يقودني إلى معلومة أو تسجيل أو صورة.

ومع مرور السنوات، تكونت لدي مادة توثيقية ضخمة من التسجيلات والصور والوثائق والروايات.

لكنني تعلمت خلال تلك الرحلة أمراً أعدّه من أهم أسرار نجاح العمل التوثيقي:

لا تجعل الراوي مجرد مصدر للمعلومات، بل اجعله شريكاً إنسانياً في صناعة المعرفة.

لقد نشأت بيني وبين المطربين والممارسين صداقات وعلاقات إنسانية حقيقية، لم تنتهِ بانتهاء المقابلة أو الحصول على التسجيل.

كنت أرى في هؤلاء الرجال ذاكرةً إنسانيةً تستحق التقدير والوفاء، لا مجرد أسماء توضع في هوامش الكتب.

ولعل هذا الجانب الإنساني كان من أعظم المكاسب التي خرجت بها من تلك التجربة.

YouTube video thumbnail
سنابات الملحن الكبير: ناصر الصالح عن: كتاب البشتخته للدكتور: سمير الضامر

عام 2015.. حين خرجت الذاكرة من البيوت إلى الناس..

في عام 2015، صدر كتابي:

«البشتخته: بحث توثيقي للفن الشعبي الحساوي في المملكة العربية السعودية (جيل التأسيس 1880–1980)».

طُبع من الكتاب ألفا نسخة، ونفدت خلال فترة قصيرة.

تأملت هذا الإقبال طويلاً.

ماذا يعني أن تنفد ألفا نسخة من كتاب متخصص في توثيق الفن الشعبي المحلي؟

بالنسبة إليّ، لم تكن المسألة مجرد نجاح في توزيع كتاب.

كانت دلالة ثقافية واجتماعية مهمة؛ فقد اكتشفت أن المجتمع متعطش لمعرفة تراثه، وأن الناس يريدون أن يروا أسماء آبائهم وأجدادهم ومبدعيهم وتجاربهم وقد أصبحت جزءاً من المعرفة المكتوبة.

لقد أدركت أن الباحث حين يقترب من قصص المجتمع الحقيقية، فإنه لا يكتب للنخبة وحدها، بل يكتب لذاكرة الناس ووجدانهم.

وهنا بدأت ألاحظ أمراً:

كان الكتاب يصنع اسمي، بينما كنت أظن أنني أصنع الكتاب!

حين يتحول البحث إلى علامة شخصية..

لم تتوقف رحلة «البشتخته» عند صفحات الكتاب.

في عام 2016، تحول المحتوى التوثيقي إلى برنامج تلفزيوني حمل الاسم نفسه: «البشتخته».

ثم أصبحت المادة التي جمعتها خلال سنوات البحث مصدراً لعشرات المقالات والدراسات وأوراق العمل والمشاركات الثقافية.

وبدأت القنوات الفضائية تستضيفني للحديث عن الفنون الشعبية وتاريخها، من السعودية والبحرين والكويت والشارقة وسلطنة عُمان، إلى قنوات كبرى مثل MBC والعربية.

وامتدت المشاركات إلى ملتقيات ومؤتمرات عربية ودولية.

ولم يكن الأمر مجرد ظهور إعلامي عابر، بل كانت هناك مادة معرفية موثقة أعود إليها، وأتحدث من خلالها، وأستند إلى شواهدها وتجارب أصحابها.

ثم اتسعت الدائرة.

فتحت لي هذه التجربة أبواباً مهنية جديدة، وأسهمت في انتقالي إلى أعمال ومشاريع وفرص للترقي الوظيفي في وطني الحبيب المملكة العربية السعودية.

وأتيحت لي فرص لإدارة مشاريع توثيقية نُفذت لأول مرة في المملكة.

كما حظيت بتكريم من المجتمع المحلي في الأحساء وخارجها، وهو تكريم أعتز به؛ لأنه جاء من مجتمع كنت أحاول أن أحفظ جانباً من ذاكرته.

تأملوا معي هذه الرحلة:

بحث ميداني بدأ بسؤال عن تاريخ الفن الشعبي، ثم أصبح كتاباً، ثم برنامجاً تلفزيونياً، ثم مقالات ودراسات ومؤتمرات، ثم خبرات ومشاريع وفرصاً مهنية.

كل ذلك لم يبدأ بحملة تسويقية لتعريف الناس بشخص اسمه سمير الضامر.

بل بدأ بمشكلة بحثية حقيقية، وبخمس سنوات من العمل والصبر والإيمان بقيمة التوثيق.

YouTube video thumbnail
ماذا قال الفنان: علي التركي لـ: سمير الضامر؟؟ حلقة (12) من برنامج البشتخته

علامتك الشخصية ليست صورتك.. بل الأثر الذي تتركه

كثيرون اليوم يريدون بناء علاماتهم الشخصية.

ينشغلون بالشعارات، والصور الاحترافية، والتعريفات المختصرة، وعدد المتابعين، وكيف يقدمون أنفسهم للناس.

لا أرى بأساً في ذلك، فهذه أدوات مهمة للتعريف بالإنسان وأعماله.

لكنني أعتقد أن العلامة الشخصية الأعمق هي التي تنشأ من مشروع حقيقي، ومن معرفة أصيلة، ومن أثر يستطيع الآخرون أن يشهدوا به.

حين تكتب عن موضوع لم يسبِقك إليه أحد، أو تقدم توثيقاً علمياً لممارسة ثقافية مهددة بالاندثار، أو تنقذ ذاكرة مهنية واجتماعية من النسيان، فإنك لا تنتج محتوى فحسب.

أنت تبني مرجعيتك المعرفية.

ومع مرور الوقت، يبدأ اسمك بالارتباط بذلك المجال.

وحين يبحث الناس عن متخصص فيه، يتذكرونك.

وحين تحتاج مؤسسة إلى خبير، يصبح عملك السابق شاهداً على خبرتك.

وحين تُطرح مشاريع جديدة، تكون أعمالك المنجزة أقوى من أي وصف تكتبه عن نفسك.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة:

كلما انشغلت بصناعة قيمة حقيقية للآخرين، ازدادت فرص أن تصبح أنت صاحب قيمة في نظرهم.

من أين تبدأ أنت؟

ربما يقول أحدكم: ليست لدي إمكانات كبيرة، ولا أملك فريقاً بحثياً، ولا أستطيع إصدار كتاب.

وأقول له من واقع تجربتي:

لا تبدأ بالسؤال عن حجم المشروع، بل ابدأ بالسؤال عن قيمته.

انظر حولك.

في أسرتك، وفي قريتك، وفي مدينتك، وفي مجال عملك، هناك عشرات الموضوعات التي تنتظر من يلتفت إليها.

ربما تكون حرفة تقليدية لم يوثق أحد تاريخ ممارسيها.

وربما تكون أغاني قديمة، أو حكايات الجدات، أو تاريخ سوق شعبي، أو تجارب جيل من المعلمين، أو مهنة مارسها الآباء ثم اختفت.

وربما تكون ذاكرة مؤسسة، أو تجربة اجتماعية، أو تحولات ثقافية عاشها مجتمعك ولم تجد من يكتبها.

اختر موضوعاً واحداً، وابدأ في جمع مادته، وتعلم أدوات البحث والتوثيق، واحترم حقوق الرواة، وتحقق من المعلومات، وابنِ علاقات إنسانية صادقة مع أصحاب التجارب.

ثم لا تجعل ما جمعته حبيس ملفات جهازك.

حوّله إلى معرفة يمكن أن ينتفع بها الناس: مقال، أو دراسة، أو كتاب، أو فيلم وثائقي، أو محاضرة، أو مشروع ثقافي.

ولا تتعجل النتائج.

لقد استغرقتُ خمس سنوات في إعداد «البشتخته»، كنت أعرف أنني أعمل شيئاً عظيماً على غرار الباحثين العالميين، وكنت أرى بوادر اشراقة في المستقبل.

ولو كنت أفكر في المكاسب السريعة، فربما توقفت منذ الخطوة الأولى!

لا تبحث عن الشهرة.. ابحث عما يستحق أن يُعرف..

بعد هذه السنوات، أصبحت أنظر إلى بحوث التوثيق بوصفها أكثر من مجرد نشاط علمي أو ثقافي.

إنها وسيلة لصناعة المعرفة، وحفظ الهوية، وبناء الخبرة، وفتح الفرص المهنية، وربما تأسيس مشاريع ثقافية واقتصادية مستدامة.

ومن هذه القناعة امتدت تجربتي إلى التدريب والاستشارات والمشاريع الثقافية، وإلى التفكير في ريادة الأعمال والأوقاف الثقافية بوصفها وسائل لتحويل المعرفة إلى أثر يبقى ويتجدد.

ولذلك فإن السؤال الذي يشغلني اليوم ليس: كيف أصبح معروفاً؟

بل:

كيف أحوّل الثقافة والذاكرة والتراث إلى مشاريع تصنع الأثر؟

وهذا هو السؤال الذي أود أن أتركه معكم في ختام هذه النشرة.

لا تنتظر أن يمنحك الآخرون لقب خبير.

ولا تنتظر أن تدعوك مؤسسة إلى مشروع حتى تبدأ في بناء خبرتك.

اصنع مشروعك المعرفي بنفسك، ولو كان صغيراً.

وثّق ما تعرفه، وابحث عما لا يعرفه الآخرون، واجمع ما يتفرق من ذاكرة الناس، وقدم للمجتمع شيئاً يستحق أن يبقى.

فقد يكون في أحد البيوت القديمة راوٍ ينتظر من يسمعه، أو في صندوق مهمل صورة تنتظر من يقرأ تاريخها، أو في تسجيل قديم صوت ينتظر من يعيده إلى ذاكرة الأجيال.

وربما يكون ذلك هو المشروع الذي سيغير مسارك المهني كله.

لقد بدأتُ أبحث عن ذاكرة الفن الشعبي في الأحساء، فاكتشفتُ بعد سنوات أن تلك الذاكرة كانت تسهم في صناعة قصتي أنا أيضاً.

وهكذا أؤمن أن العلامة الشخصية الحقيقية لا تبدأ حين تقول للناس: من أنا؟

بل حين يصبح لديك من الأعمال ما يجعل الناس يعرفون من أنت، دون أن تضطر إلى تكرار التعريف بنفسك.

د. سمير الضامر