
حين عملتُ على كتابي «أطلس الأدب الشعبي؛ الأطلس المصور للرواد الأوائل في تدوين الأدب الشعبي في المملكة العربية السعودية»، لم أكن أتتبع ما جمعه الرواد فقط، بل كنت أتتبع الطرق التي سلكوها، والمخاطر التي واجهوها، والأثمان التي دفعوها من أعمارهم.
كان الرائد، فرنسياً أو ألمانياً أو لبنانياً أو سعودياً، يقطع آلاف الكيلومترات مشياً على الأقدام أو على ظهور الإبل، بحثاً عن شاعر أو راوٍ أو مخطوطة. وكانت الطرق موحشة وغير آمنة؛ يهددها قطاع الطرق، وقد تنتهي رحلة التوثيق بإزهاق روح صاحبها.
لم تكن في أيديهم هواتف ذكية ولا أجهزة تسجيل. كانوا يدوّنون على قصاصات الورق، ويرسمون خرائط طرقهم بأنفسهم، وإذا غابت الكاميرا رسموا العناصر التراثية بأيديهم. وكانت الأسواق الشعبية وموارد المياه ومواطن تجمع القبائل هي ميادينهم للقاء الرواة والشعراء.
لقد استغرق بعضهم عقوداً حتى يجمع مادته من الروايات الشفهية والمخطوطات.
الخرائط التي صممتُها في الكتاب لا تحدد مساراتهم فحسب؛ بل تكشف حجم المعاناة التي صاحبت تأسيس ذاكرتنا الثقافية.
واليوم، نحمل في جيوبنا جهازاً صغيراً فيه كاميرا ومسجل ودفتر وخريطة ومكتبة كاملة، ونستطيع أن نوثق الصوت والصورة والمكان في لحظات. ومع ذلك، يبدو التوثيق أضعف مما ينبغي، بل إن بعض المعاصرين يستنقص هذا العمل، وكأنه جهد هامشي لا يستحق العناء.
المفارقة مؤلمة: كانت الوسائل قليلة، فكان التوثيق عظيماً؛ واليوم كثرت الوسائل، فقلّ التوثيق!
لقد خاطر أولئك الرواد بأرواحهم ليحفظوا ما وصل إلينا. فما عذرنا نحن، وقد أصبحت أدوات التوثيق بين أيدينا؟
التراث الذي لا نكتبه اليوم، قد نبحث عنه غداً فلا نجده.
الذين كانوا معي في دورة: كيف نتعامل مع التراث؟ ربما يتذكرون أنني قلت: التراث مسؤولية الأفراد والمجتمعات المحلية بالدرجة الأولى وليست مسؤولية الجهات الرسمية. هل تتذكرون هذا؟ رابط الدورة