هناك صورة نمطية أراها كثيراً، وفيها شيء من التبلّد المؤلم.
يجلس الواحد منا بجوار جده أو جدته، أو مع أبيه وأمه، فيسمع منهم حِكماً، وأشعاراً، وسوالف، وأسماء رجال ونساء مضوا، وأخبار قرى وبيوت وأسواق وأحداث لا يعرفها الجيل الجديد.
يسمع كل ذلك، ثم يقول بكل برود:
والله يا جدي عندك سوالف واجد!
ثم يعود إلى جواله!
يفتح التطبيقات.
يتابع المقاطع.
ينتقل من حساب إلى حساب.
ويترك إلى جواره ذاكرةً بشرية قد لا تتكرر.
وهنا أسأل:
ما دمت ترى أن جدك أو جدتك يملكان كل هذه القصص والأخبار والمعارف، فلماذا لا تسجلها؟
لماذا لا تدوّنها؟
لماذا لا تفتح هاتفك هذه المرة، لا لتتصفح، بل لتوثّق؟
هناك أسر كاملة تجتمع كل أسبوع، وتجلس الساعات الطويلة لتزجية الوقت، والحديث، والضحك، وشرب القهوة، لكنها لا تفكر ولو مرة واحدة أن تجعل من أحد هذه الاجتماعات جلسةً للذاكرة.
أن يقول أحد الأبناء:
اليوم لن نسأل فقط عن أحوالكم.
اليوم نريد أن نسمع قصة بيتنا القديم.
من كان يسكن هنا؟
كيف كان العيد؟
كيف كان الزواج؟
من أشهر الرجال والنساء في الأسرة؟
ماذا كانت تقول الجدات؟
ما الأشعار التي تحفظونها؟
ما الكلمات التي اختفت؟
ما المهن التي كان يمارسها أجدادنا؟
من أين جاءت الأسرة؟
وكيف كانت حياتها؟
هذه ليست أسئلة عابرة.
هذه بداية أرشيف عائلي.
حدثني أحدهم مرة عن جدته، فقال لي:
جدتي مثل المذياع، لا تسكت من السرد والقصص ورواية الأشعار!
قلت له مباشرة:
هل سجلتم لها؟
قال:
لا.
قلت:
لماذا؟
قال:
عندها أبناؤها، وهم مدرسون، وهم أولى مني بتسجيلها.
استشطت غضباً من هذا الجواب.
قلت له:
حفظ الله جدتك وأطال عمرها.
ولكنني أخشى أن يأتي يوم تندمون فيه جميعاً؛ أنت وأعمامك وأبناء الأسرة، لأنكم لم تعطوا هذه الأم حقها.
ليس فقط بوصفها جدة.
بل بوصفها راوية.
بوصفها امرأة عاشت زمناً لم تعيشوه.
ورأت أشخاصاً لم تروهم.
وحفظت أسماء وأحداثا وأشعارا وحكايات قد لا توجد في كتاب.
إنها لا تحمل ذكرياتها وحدها.
إنها تحمل جزءاً من ذاكرة الأسرة.
وربما تحمل جزءاً من ذاكرة القرية أو الحي أو المجتمع كله.
المشكلة أننا لا نشعر بقيمة الراوي ما دام أمامنا.
نقول:
غداً نسأله.
الأسبوع القادم نسجل.
في الإجازة نجلس معه.
وحين يأتي الوقت الذي نقرر فيه أن نبدأ، قد لا نجد الصوت الذي كنا نؤجل سماعه.
وحينها تبدأ الجملة المؤلمة:
ليتنا سألناه.
ليتنا سجّلنا.
ليتنا كتبنا أسماء الناس الذين كان يذكرهم.
ليتنا عرفنا قصة ذلك البيت.
ليتنا حفظنا القصيدة كاملة.
ليتنا سألنا عن فلان وفلانة.
وكثير من المعرفة العائلية لا تضيع لأنها مجهولة، بل تضيع لأنها كانت مألوفة أكثر مما ينبغي.
كانت أمامنا كل يوم.
ولذلك لم نشعر بقيمتها.
كان صوت الجدة مألوفاً.
وسوالف الجد معتادة.
وحكايات الأب تتكرر.
وظننا أن هذا كله سيبقى إلى الأبد.
لكنه لا يبقى.
لهذا أقول لكل أسرة:
لا تنتظروا مشروعاً ضخماً.
ولا تحتاجون إلى فريق تصوير.
ولا إلى استديو.
ولا إلى أجهزة تسجيل احترافية.
ابدأوا بهواتفكم.
اجلس مع جدك.
اجلسي مع جدتك.
سجّل الصوت.
اكتب الاسم والتاريخ.
ضع عنوناً لكل قصة.
صوّر الأشياء القديمة.
اسأل عن الصور.
دوّن أسماء الأشخاص.
واجعلوا لكل أسرة ملفاً صغيراً لذاكرتها.
بعد عشرين عاماً، قد تصبح هذه التسجيلات أثمن ما تركتموه لأبنائكم.
نحن بارعون أحياناً في تصوير الطعام، والرحلات، والمناسبات، واليوميات.
ولكننا لا نلتفت إلى تصوير من يحملون ذاكرتنا.
وهذه مفارقة تستحق التأمل.
لا تجعل جدتك «مثل المذياع» ثم تترك كلماتها تتبخر في الهواء.
ولا تجعل جدك راوياً في مجلسك فقط.
حوّل الرواية إلى وثيقة.
فالراوي حين يرحل لا يأخذ معه شخصاً واحداً فقط.
قد يأخذ معه مكتبة كاملة.
والذاكرة العائلية لا تحفظ نفسها.
نحن الذين نحفظها… أو نحن الذين نسمح لها أن تضيع.
لأجل المعرفة.. ولأجل حفظ تراث أجدادك وجداتك.. اطلب الخصم الخاص بك لدورة: كيف نحافظ على تراث الجدات والأجداد.. وأسعد نفسك ووطنك بمشروعك الجميل..
