عندما يتساءل المؤرخون والباحثون عن مملكة الجرهاء القديمة: أين كانت؟ وكيف اندثرت؟ فلربما تغيب عن أذهانهم الأبعاد الأسطورية للأمكنة.

أنا لا أظنّ أن الجرهاء اندثرت، بل أرى أنها اختفت.

اختفت عندما لم تجد مَنْ يعرف قدرها، ويحفظ خيراتها، ويصون نعمتها. لقد منحت الجرهاء أهلها الفضة والذهب والملح واللبان والعطور والتمور، وأفاضت عليهم من خيرات الله في الأرض، لكنها قوبلت بالغزوات والأطماع ونكران النعمة، فآثرت أن تختفي، وأن تلقّن أهلها درساً قاسياً: المجتمعات التي لا تحافظ على ثرواتها وخيراتها، قد تستيقظ يوماً فلا تجدها.

ومن أسطورتي هذه عن الجرهاء، أدلف إلى جرهاء أخرى عرفتها بنفسي، وعشت بين رجالها، ونهلت من علمهم وأدبهم وتجاربهم.

إنها جرهاء الأدباء والرسامين والصحفيين والمعلمين؛ أولئك الروّاد الذين كانوا، في يوم من الأيام، ملء السمع والبصر في المجتمع الأحسائي، ثم رحلوا عنّا واحداً بعد آخر، وكأنهم يعيدون أمامنا أسطورة الجرهاء، ويلقّنوننا درساً مؤلماً في نكران الجميل، وفي عدم البرّ بجيل الآباء والروّاد من أهل الأدب والثقافة والفن.

في بداياتي الأدبية، كنت شاباً متطلعاً، محبّاً للأدب والأدباء، أبحث عنهم، وأقصد مجالسهم وأمكنتهم. كان في داخلي جوع ثقافي ومعرفي لكل جميل من الشعر والنقد والسرد ومجتمعات الأدب.

دخلت مجلس الأديب السفير أحمد بن علي المبارك، رحمه الله، وأنا طالب في الصف الثاني الثانوي. كان المجلس مكتظاً بكبار الأساتذة والمسؤولين والشعراء والكتّاب، وكنت أصغرهم سنّاً وقدراً، لكنني كنت أحمل قلباً كبيراً يتطلع إلى المعرفة.

كنت أتكلّف المجيء أسبوعياً من المبرّز إلى الهفوف، لا لشيء سوى أن أُطعم ذلك الجوع من منهل الأدب والكتابة. وكان لأحمد المبارك دور عظيم في نقل المشهد الأدبي في الأحساء، في ذلك الحين، من حالة النخبوية المغلقة إلى فضاء اجتماعي أكثر رحابةً وشعبيةً؛ فقد كان مجلسه مفتوحاً لأصحاب الاهتمامات، ومكاناً يلتقي فيه الأدباء والمثقفون والباحثون ومحبو المعرفة.

ومن ذلك المجلس، ومن المجالس الأدبية الأخرى، اتسعت علاقاتي، وتعرّفت إلى أدباء الأحساء ومثقفيها، وأنا لا أزال في المرحلة الثانوية.

وكان الأستاذ الأديب مبارك بوبشيت، رحمه الله، حاضنةً حقيقيةً للمواهب الشابة. كان يقرأ نتاجاتنا الأدبية، ويستقبلنا في بيته، ويعيرنا كتبه، ويغمرنا بالتشجيع. كنا نخرج من عنده، والكتاب في أيدينا، وكأننا امتلكنا الدنيا بأكملها.

أما الفنان التشكيلي أحمد السبت، رحمه الله، فقد كان له أثره البارز في الحركة التشكيلية، وكان بالنسبة ليّ راوياً مهماً، أفادني كثيراً في معرفة تاريخ الثقافة الشعبية القديمة في الأحساء وحياتها وتفاصيلها.

وهناك أسماء كثيرة عبرت حياتي، وتركت في وجداني أثراً لا يُمحى؛ مثل الفنان التشكيلي محمد الصندل، والأديب المهذب الراقي علي الطبيلي، الذي كان يذوب رقةً وإبداعاً. كان طاقةً من الشعر تمشي على الأرض، وصورةً للفيلسوف المتخم بالحب والجمال، والعالِم الثقافي الذي يرى ما لا يراه الآخرون.

والأسماء كثيرة، فأين شاعر الأحساء يوسف أبوسعد؟ وأين رائد الصحافة الأستاذ: عبدالله الشباط؟ وأين مؤرخ الأحساء الأستاذ جواد الرمضان؟ وأين الراوي والباحث الشفاهي الأستاذ سلمان الكرود؟ أسماء كثيرة لا يمكنني أن أحصيها في مقالة واحدة، لكن السؤال هو:

ماذا قدّمنا لهؤلاء؟

أين أبناؤهم وأهاليهم ومجتمعاتهم المحلية ليردّوا إليهم بعض الجميل، ويحفظوا تراثهم من الضياع؟

ألا يليق بأهل الطرف أن ينشئوا مركزاً ثقافياً يحمل اسم «مركز مبارك بوبشيت الإبداعي»؟

ألا يليق بأسرة المبارك ومحبي الأدب أن يؤسسوا «مؤسسة أحمد المبارك الثقافية»، تحفظ إرثه، وتجمع آثاره، وتواصل رسالته؟

ألا يليق بأهل الفن التشكيلي في الأحساء أن تكون لهم جمعية تجمع نتاج الفنانين التشكيليين الروّاد، وتوثّق سيرهم، وتحفظ لوحاتهم من التلف والنسيان؟ فكم من فنان كان حاضراً في زمنه، ثم لم يعد يذكره اليوم إلا المقربون منه!

إنني أحزن كثيراً عندما أرى مآل بعض الأدباء بعد رحيلهم: كتب تضيع، ولوحات تتلف، وصور تتناثر، وذكريات تموت في صدور أصحابها. وأحزن عندما أرى لوحات الفنانين تُهمَل، وبعض الروّاد، في رمقهم الباقي، يوزّعون كتبهم هدايا، ويمنحون لوحاتهم بالمجان، فلا يجدون مَنْ يعرف قدرها أو يحفظ قيمتها.

اليوم، في عصر اللقطات السريعة، وجيل «السنابيين» الذين لم يعيشوا أزهى عصور الأدب والثقافة والفن في الأحساء، قد لا يدرك كثير منهم ما أعنيه في هذه المقالة. لم يعيشوا تلك المجالس، ولم يروا أولئك الروّاد وهم يصنعون المشهد الثقافي من بيوتهم، ومن مكتباتهم الخاصة، ومن جهودهم الفردية، بلا ضجيج ولا انتظار لشهرة أو مقابل.

لكن المسؤولية لا تزال قائمةً، والفرصة لم تفت بعد.

فمتى تبدأ مبادرات المجتمعات المحلية في الأحساء لإعادة الاعتبار إلى رموزنا؟ متى نجمع كتبهم ولوحاتهم ووثائقهم وصورهم وأصواتهم؟ متى نحوّل بيوتهم إلى ذاكرة ثقافية، وأسماءهم إلى مؤسسات، وتجاربهم إلى مشاريع تتعلم منها الأجيال الجديدة؟

علينا أن نفعل ذلك قبل أن يختفوا جميعاً، وقبل أن تختفي معهم آثارهم وذاكرتهم.

علينا أن نبرّ بهم قبل أن يعاقبونا بالصمت، ويلقّنونا درس الجرهاء القاسي:

أن الثروة التي لا يعرف أهلها قدرها، تختفي.

د. سمير الضامر