منذ أيام طفولة بعيدة، كانت لديّ أنا وأخي الأستاذ الدكتور: عبدالعزيز أسئلة كثيرة.

لم نكن نعرف يومها لماذا نسأل، ولا إلى أين ستقودنا تلك الأسئلة، ولكن يبدو أن السؤال كان فطرةً فُطرنا عليها، فسلكنا طريق المعرفة من دون أن نشعر.

كنا نسأل عن الحياة، وعن المستقبل، وعن الكتب والناس والثقافات، وعن أشياء أكبر من أعمارنا الصغيرة.

واليوم، بعد سنوات طويلة، نحمل معرفةً طيبةً متواضعةً، ونملك شهادات علميةً عاليةً، ولدينا عدد من الكتب والمؤلفات؛ لكننا ما زلنا نسأل الأسئلة ذاتها، وإن تغيّرت جهتها:

من الذين عاشوا هنا؟

ومن مرّ من هذا الطريق؟

ومن ترك أثراً ثم غاب؟

ومن عاش حياةً كاملةً، ولم يكتب حكايته أحد؟

الطريق إلى بيت الجد..

حين أعود بذاكرتي إلى طفولتنا في المبرّز، أرانا نسير من حي الحزم قاصدين بيت جدّي عبدالله الفرحان في حي العيوني.

كنا نمرّ على شارع قصر صاهود، ثم نعبر السكيك والبراحات، ونشاهد المساجد القديمة والدكاكين العتيقة، والحلاقين والصاغة والحدادين والقيصرية بكل روائحها العطرية من اللبان والبخور والمستكة.

وكان أكثر ما يدهشنا ويوقفنا للتأمل أولئك الرجال الكبار الذين يجلسون على عتبات الدكاكين، أو بجوار أبواب المساجد، وخصوصاً في ساعات العصر.

نمرّ بهم، فنلقي السلام.

ويردّون علينا السلام.

ثم نواصل طريقنا إلى بيت الجد.

كان ذلك طِقساً يومياً أو أسبوعياً مارسناه طوال سنوات طفولتنا. الوجوه نفسها، والعتبات نفسها، والطريق نفسه؛ حتى ظننّا، ببراءة الأطفال، أن هؤلاء الرجال سيبقون هناك إلى الأبد.

ولكننا كبرنا.

وظلّ الطريق في مكانه.

وبقيت بعض الدكاكين والمساجد.

أما الرجال، فقد غابت صورهم عن العتبات واحداً بعد آخر.

كانوا تاريخاً يمشي بيننا..

لم نكن ندرك يومها أن كل رجل من أولئك الرجال كان يحمل وراءه قصةً عظيمةً.

كنا نسلّم عليهم ونجلّهم من باب احترام الكبير؛ فهكذا تربّينا. لكننا لم نسألهم:

من أنتم؟

وكيف كانت أيامكم؟

وماذا فعلتم في شبابكم؟

وما الحكايات التي تحملونها في صدوركم؟

وحين توغّلنا في المعرفة، وازداد شغفنا بتراث المنطقة وتاريخها، اكتشفنا أن أولئك «الشيّاب» لم يكونوا مجرّد رجال أنهكهم العمر، يجلسون في آخر النهار على عتبات الدكاكين والمساجد.

كانوا تاريخاً اجتماعياً غير مكتوب.

كان بعضهم بطلاً في موقف، وشاعراً في ليله ونهاره، ولاعباً في فنٍّ شعبي، وصاحب فزعة في شدة، ورجلاً عُرف بالنخوة أو الكرم أو الشجاعة، ومصارعاً لأهوال البحار والهيرات في مياه الخليج العربي.

كانوا في يوم من الأيام، ملء السمع والبصر.

عرفوا وجوه الناس، وأسماء البيوت، وتحولات الحارات. شهدوا سنوات القحط والرخاء، وحفظوا الحكايات والأمثال والأشعار، وعرفوا كيف كانت الحياة تُبنى بالقليل، وكيف كانت العلاقات تقوم على الجيرة والوفاء والتكافل.

ثم وصلوا إلى منتهى العمر، فهدأت أجسادهم على العتبات، وبقيت أرواحهم ممتلئةً بالأسرار.

لكنّ أحداً لم يسأل.

وأحداً لم يدوّن.

عرفناهم بعد أن رحلوا..

لقد عاصرناهم ونحن أطفال، ولكننا لم نعرفهم إلا بعد أن كبرنا.

وهذه من مفارقات الذاكرة المؤلمة: أن يعيش الإنسان بجوار الحكاية، ويمرّ بها كل يوم، ثم لا يدرك قيمتها إلا بعد أن تغيب.

صرنا بعد سنوات نبحث عن أولئك الرجال في ذاكرة الآخرين.

نجمع أسماءهم، ونفتّش عن صورهم، ونسأل عن مواقفهم، ونلتقط شتات سيرهم من أفواه من بقي حياً من معاصريهم.

وكثيراً ما وجدنا أنفسنا نجمع قصة رجل كان يجلس أمامنا كل عصر، وكان يمكن أن يحكيها لنا بصوته، لو أننا عرفنا يومها كيف نسأل.

من هنا أدركتُ أن الذاكرة لا تضيع لأن الحكايات قليلة، بل لأنها تبقى مؤجّلةً حتى يرحل أصحابها.

نظنّ أن الجد سيبقى، وأن الجدة ستظلّ تتذكّر، وأن الأب سيعيد القصة مرةً أخرى، وأن الأم ستظلّ تحفظ أسماء الناس وتفاصيل البيوت. لكن الذاكرة، مثل العمر، لا تنتظر أحداً.

لا تكتفوا بالسلام عليهم..

ربما كان هذا الشعور واحداً من الدوافع العميقة التي قادتني إلى إعداد دورة:

«الأم والذاكرة العائلية: كيف نحافظ على تراث الجدات والأجداد؟»

لم أصنعها من فكرة نظرية بعيدة، بل من حسرة السؤال الذي تأخّر، ومن وجوه عرفناها في طفولتنا ثم بحثنا عنها في الكتب والذاكرة بعد رحيلها.

إنها محاولة لكيلا يكرّر أبناؤنا ما فعلناه من دون قصد: أن يمرّوا بالجد والجدة، ويسلّموا عليهما، ويجلسوا بقربهما، لكنهم لا يكتشفون الحكاية العظيمة التي كانت أمامهم إلا بعد فوات الأوان.

لا أريد من الإنسان أن ينظر إلى كبار السن في عائلته بوصفهم أشخاصاً بلغوا آخر العمر، بل بوصفهم مكتبات حيّةً، وخرائط للبيوت والقرى والحارات، وشهوداً على زمن لن يعود.

اجلسوا إليهم.

اسألوهم عن طفولتهم.

عن آبائهم وأمهاتهم.

عن أول بيت سكنوه.

عن المهن والحرف والأفراح والأسفار والمواقف الصعبة.

اسألوهم عن الأسماء التي غابت، وعن القصص التي لا توجد في الكتب.

وسجّلوا أصواتهم؛ فالصوت ليس مجرّد وسيلة لنقل الحكاية، بل هو جزء من الحكاية نفسها.

لعلّ السؤال يأتي هذه المرة في موعده..

أنا وأخي عبدالعزيز لدينا اليوم عدد من الكتب والمؤلفات، وكانت نواةُ كثير منها أسئلةً طفوليةً وثقافيةً ومعرفيةً قديمةً.

وما زلنا نرجع إلى الوراء، إلى حاراتنا في المبرّز، ونجمع أيام الرجال وصورهم وشتات تاريخهم المهمّش.

لكنني كلما مررت في طريق قديم، أو رأيت عتبة دكان خاليةً، تذكّرت أولئك الرجال الذين مررنا بهم صغاراً.

سلّمنا عليهم.

فردّوا علينا السلام.

ثم مضينا.

ليت أننا جلسنا قليلاً.

وليت أننا سألناهم:

من أنتم؟

لعلّ السؤال يأتي هذه المرة في موعده، قبل أن تصبح الوجوه صوراً، والأصوات صمتاً، والحكايات أسراراً غابت مع أصحابها.

د. سمير الضامر