حاورني مستنكراً إقدامي على سفرة علمية، وإنجاز ثقافي كنت أسعى إليه، وقال:

لماذا أنت مستعجل؟ بكرة تجيك الفرصة إلى مكانك!

قلت له:

أنا لا أنتظر. أنا أذهب إلى الفرص، ولا أنتظرها. إن جاءت إليّ فأهلاً وسهلاً، ولكن متى ستجيء؟

ربما تختصر هذه المحادثة شيئاً كثيراً مما أؤمن به.

فمن أكثر الأشياء التي تسرق أعمار الناس بهدوء: الانتظار.

ينتظر أحدنا أن تتحسن الظروف، وأن يتوفر المال، وأن يقل ضغط العمل، وأن تأتيه الفرصة المناسبة، وأن يجد من يدعمه، وأن يشعر بالحماس الكامل كي يبدأ.

ينتظر الوظيفة الأفضل. وينتظر الشريك المناسب. وينتظر المشروع الذي سيطرق بابه. وينتظر من يكتشف موهبته. وينتظر أن يصبح كل شيء مهيأً تماماً.

وقد تمضي الشهور والسنوات، بينما الظروف المثالية التي ينتظرها لا تأتي.

والحقيقة أن كثيراً من المشروعات الجميلة، والإنجازات العلمية، والتجارب الثقافية، لم تبدأ في ظروف مثالية، وإنما بدأت بخطوة صغيرة من شخص قرر ألا ينتظر أكثر.

الانتظار عدو المبدعين.

وليس المقصود أن يندفع الإنسان دون حساب، أو أن يتخذ قراراته بلا وعي؛ وإنما ألا يجعل الانتظار أسلوب حياة.

فالفرصة التي تريدها قد تحتاج منك سفراً

وقد تحتاج إلى اتصال.

أو رسالة.

أو زيارة.

أو دورة تدريبية.

أو قراءة كتاب.

أو تعلّم مهارة جديدة.

أو أن تطرق باباً لم تكن تظن يوماً أنك ستطرقه.

وفي زمننا هناك عدو آخر لا يقل خطورة عن الانتظار: الفرجة الدائمة.

نستيقظ فنشاهد، وفي أوقات الفراغ نشاهد، وقبل النوم نشاهد.

مشاهير، ومقاطع فكاهية، وترندات، وأخبار، وجدالات، وحكايات لا تنتهي.

نتابع حياة الآخرين، بينما تمر حياتنا نحن.

وهنا تكمن المفارقة:

قد يعرف الإنسان كل ما يفعله المشاهير، ولا يعرف ما الخطوة التي ينبغي أن يقوم بها هو في مشروعه الشخصي.

وقد يحفظ أسماء عشرات الحسابات، لكنه لم يقرأ كتاباً واحداً في المجال الذي يقول إنه يحبه.

وقد يقضي ساعات في تصفح الهاتف، ثم يقول في نهاية اليوم:

ليس لدي وقت.

الفرجة الطويلة لا تستهلك الوقت فقط، وإنما قد تصنع شيئاً أخطر، ألا وهو: التبلّد.

أن تتحول تدريجياً من شخص يفكر ويجرب ويصنع، إلى شخص ينتظر ما سيصنعه الآخرون.

ومن شخص يسأل: ماذا سأفعل؟

إلى شخص يسأل كل صباح: ماذا حدث اليوم؟

وهناك فرق كبير بين السؤالين.

إذا كنت تحب التراث، فلا تكتفِ بمشاهدة المقاطع التراثية.

اقرأ.

وابحث.

واسأل كبار السن.

وسجّل الروايات.

وتعلم مناهج التوثيق.

وطوّر مهاراتك في البحث والكتابة والتصوير والأرشفة.

اذهب إلى القرى.

وزر المتاحف.

وتعرّف إلى الرواة.

واحضر المؤتمرات والملتقيات.

وسافر إن احتاجت المعرفة إلى سفر.

فالمعرفة لا تأتي دائماً إلى مكتبك.

إذا كنت مهتماً بتاريخ أسرتك، فابدأ بمقابلة والدك أو والدتك أو جدتك.

إذا كنت تحب الحكايات الشعبية، فسجّل أول حكاية.

إذا كنت تفكر في كتاب، فاكتب الصفحة الأولى.

إذا كنت تريد أن تصبح باحثاً، فابدأ ببحث صغير.

وإذا كنت تحمل فكرة مشروع ثقافي، فلا تنتظر أن تتحول الفكرة وحدها إلى مشروع.

اصنع أنت الخطوة الأولى.

لا يشترط أن تكون البداية كبيرة.

ولا أن يعرف بك الناس.

ولا أن تحقق مكسباً سريعاً.

ولا أن تكون كل الطرق واضحة أمامك.

المهم أن تتحول من حالة الانتظار إلى حالة الفعل، ومن موقع المتفرج إلى موقع الصانع.

فالفرص في الغالب لا تقف أمام أبوابنا وتطرقها.

بعض الفرص نذهب نحن إليها.

وبعضها نصنعها بأنفسنا.

وبعضها لا نعرف أنها موجودة أصلاً إلا بعد أن نتحرك.

ولهذا حين قال لي صاحبي:

بكرة تجيك الفرصة إلى مكانك.

كان سؤالي:

ومتى ستجيء؟

أنا لا أريد أن أضع سنوات حياتي رهينةً لفرصة ربما تأتي وربما لا تأتي.

سأذهب إليها.

أبحث عنها.

أتعلم من أجلها.

وأصنع الطريق المؤدي إليها.

فإن جاءت هي إليّ بعد ذلك، فأهلاً وسهلاً.

الانتظار عدو المبدعين، والفرجة الدائمة مدعاة للتبلّد، أما الحركة فهي التي تصنع المعرفة، وتصنع التجربة، وتصنع الفرصة.

د. سمير الضامر