خرابيط سمير الضامر..
قراءة في تفاعل جمهور «تيك توك» مع خرافة الرَّجل الذي حَمِل من فخذه!!

بعد بث حلقة بودكاست «مختلف» التي استضافتني للحديث عن الخرافات والأساطير في الجزيرة العربية، نُشر مقطع قصير رويت فيه خرافة شعبية تتحدث عن امرأة عاقر نصحتها إحدى المداويات بأن تعرّض «ترنجة» للشمس ثلاثة أيام، ثم تأكلها فتحمل. غير أن زوجها أكلها بدلاً عنها، فانتقل إليه الحمل، وحمل من فخذه!
أثار المقطع تفاعلاً واسعاً، وكتب المتابعون أكثر من مئة تعليق، تراوحت بين الاستغراب والسخرية والإنكار والشتيمة وطلب معرفة نهاية الحكاية. وقد يسهل النظر إلى هذه التعليقات بوصفها ردود فعل عابرة أو ألفاظاً انفعالية كتبتها حسابات تحمل أسماء مستعارة وصوراً رمزية، لكنني — بوصفي باحثاً في الثقافة الشعبية — كنت سعيداً بهذا التفاعل؛ لأنه قدّم لي نموذجاً حياً يمكن قراءته وتحليله في ضوء نظرية التلقي.
لم تكن التعليقات بالنسبة إليّ مجرد ردود على خرافة قديمة، بل كانت مادة ثقافية جديدة نشأت حولها. لقد كشفت عن صراع رمزي بين سلطتين: سلطة الراوي الذي يمتلك الحكاية ويعرف سياقها، وسلطة المتلقي الذي يعتقد أنه يمتلك حق الحكم على صدقها ومعقوليتها.
المتلقي يدخل الحكاية حاملاً يقينه:
لا يدخل المتلقي إلى أي نص فارغاً، بل يأتي محمّلاً بمعارفه وقيمه وتوقعاته وما تسميه نظرية التلقي «أفق الانتظار». وفي هذه الحالة، استقبل الجمهور الحكاية انطلاقاً من حقيقة مستقرة لديه: المرأة تحمل، أما الرجل فلا يحمل.
ولهذا ظهرت تعليقات مثل:
«المرأة تحيض والرجل لا يحيض».
«الرجال ما يحمل».
«آخر شيء قرأته أن الرجل لا يحمل».
هذه العبارات صحيحة تماماً إذا كنا أمام تقرير طبي يدّعي إمكان حمل الرجل، لكنها لا تنتمي إلى العالم الذي تنتمي إليه الخرافة. فالخرافة لا تطلب من المتلقي أن يصدّقها بوصفها واقعة بيولوجية، وإنما تدعوه إلى دخول عالم تخييلي تُعطّل فيه قوانين الطبيعة، وتنتقل فيه الخصوبة من جسد إلى آخر، ويحمل فيه الرجل من فخذه.
لقد أجاب بعض المتابعين عن سؤال لم أطرحه أصلاً: «هل يستطيع الرجل أن يحمل؟». بينما كان السؤال الثقافي الذي تثيره الحكاية هو: لماذا تخيل الإنسان الشعبي رجلاً يحمل؟ وما الذي يكشفه هذا الانقلاب عن تصورات المجتمع للجسد والخصوبة والعقم والعلاقة بين الرجل والمرأة؟
المقطع المجتزأ وانهيار السياق:
من أكثر التعليقات وعياً بما حدث قول أحد المتابعين:
«وضحوا للناس إنه يتكلم عن خرافات، مو تحطون المقطع مجتزأ».
يلخص هذا التعليق جانباً أساسياً من المشكلة. ففي الحلقة الكاملة يوجد عنوان ومقدمة وسياق حواري يوضح أن الحديث يدور حول الخرافات والأساطير، أما في المقطع القصير فقد ظهرت الحكاية منفصلةً عن إطارها المعرفي.
انتقل الكلام من سياق بودكاست ثقافي إلى فضاء «تيك توك» الذي تتجاور فيه الأخبار والنكات والمشاهد التمثيلية والمقاطع المصنوعة بالذكاء الاصطناعي. ولذلك لم يعد المتلقي يعرف على وجه الدقة: هل يستمع إلى حكاية شعبية؟ أم خبر غريب؟ أم مزحة؟ أم محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي؟ أم محاولة لإثارة الجدل؟
ويظهر هذا الارتباك في تعليقات مثل:
«واضح وضوح الشمس AI».
«تأليف وإخراج شاروخان».
«حركات المسلسلات الهندية».
«تذكرت ترند الفواكه بالذكاء الاصطناعي».
هنا وقع ما يمكن تسميته بـ«انهيار السياق». لم تعد الخرافة وثيقة ثقافية تُروى من أجل الفهم، بل تحولت في ذهن بعض المتابعين إلى ادعاء واقعي يطالبهم الراوي بتصديقه.
صراع السلطتين:
يدخل المتابع إلى المنصة وهو يشعر بأنه صاحب السلطة العليا على المحتوى؛ فهو الذي يقرر أن يشاهد أو يمرّر، وأن يقبل أو يرفض، وأن يمنح الإعجاب أو يكتب تعليقاً ساخراً. لقد منحت المنصات الرقمية المستخدم شعوراً بأنه ليس متلقياً فحسب، بل محكّم يمتلك حق التصنيف والإدانة والطرد.
تستند سلطة المتلقي هنا إلى قبضته الذهنية على العالم المألوف: المرأة تحمل، والرجل لا يحمل، والحمل يقع في الرحم لا في الفخذ، وأكل ثمرة عُرضت للشمس لا ينقل القدرة على الإنجاب من إنسان إلى آخر.
ثم جاءت الخرافة لتعبث بهذا النظام المستقر، فأعادت ترتيب الجسد والجنس والخصوبة والسببية. أكل الرجل ما أُعدّ للمرأة، فانتقلت إليه الخصوبة وحمل في فخذه. وهكذا فعلت الخرافة ما تفعله عادةً: عطّلت قوانين الواقع مؤقتاً، وأنشأت عالماً تحكمه السببية السحرية بدلاً من السببية البيولوجية.
في الجهة المقابلة، كنت أمارس سلطة الراوي والباحث: أعرفُ الحكايةَ وسياقها ونهايتها، وأدرك أن غرابتها ليست عيباً فيها، بل هي جوهرها. كنت أرويها بثقة، وأبتسم وأضحك في أثناء السرد، لأنني أعي المفارقة وأستمتع بقدرة الخيال الشعبي على تجاوز المألوف.
لكن ابتسامتي لم تُقرأ دائماً بهذه الصورة. ربما رآها بعض المتابعين استهانة بعقولهم، أو ثقة مستفزة في قول المستحيل، أو محاولة متعمدة لإثارة دهشتهم. وكلما بدا الراوي هادئاً وواثقاً، ازدادت رغبة بعضهم في إسقاط سلطته.
وهكذا أصبحت مساحة التعليقات ميداناً للمواجهة: أنا أمتلك سلطة الحكاية والمعرفة بسياقها، والمتلقي يمتلك سلطة التعليق والسخرية وإصدار الحكم الجماعي.
التعليق بوصفه انتقاماً رمزياً:
حين لم يستطع بعض المتابعين إدخال الحكاية في نظامهم الواقعي، ولم يمتلكوا العلامات الكافية لنقلها إلى النظام الخرافي والرمزي، بقيت أمامهم بوصفها جسماً غريباً يصعب استيعابه. عندئذ تحول اضطراب الفهم إلى غضب، ثم تحول الغضب إلى عقاب لغوي للراوي.
ويمكن ملاحظة تدرج استعادة السلطة في التعليقات:
إنكار الحدث: «الرجال ما يحمل».
إبطال الكلام: «كلام فاضي وخرابيط».
اتهام الراوي بالكذب: «كذبة مسيلمة ما تدق سلف عند ذا».
الطعن في أهليته: «هذا اللي ما عنده محتوى».
مهاجمة هيئته: «كنت مطوع أول، ليه الحين مالط الشنب؟».
طرده رمزياً: «قم قم»، و«روح بس الله يلعن سوالفك يشيخ».
لم يعد التعليق هنا مناقشةً للحكاية، بل أصبح فعلاً عقابياً. وحين عجز المتلقي عن إخضاع الخرافة لمنطقه، حاول إخضاع الراوي نفسه بالسخرية من كلامه وهيئته وعقله ومصداقيته.
كأن بعض المتابعين أرادوا الانتقام للنظام الطبيعي الذي انتهكته الحكاية، وإعادة الأشياء إلى حدودها المطمئنة: المرأة للحمل، والرجل للرجولة، والحقيقة للعقل، والخرافة للهامش.
جسد الرجل والحدود الثقافية للرجولة:
لم تكن الصدمة ناتجة عن استحالة الحمل وحدها، بل عن إسناده إلى الرجل تحديداً. فالحكاية تقلب التقسيم الثقافي المألوف بين الذكورة والأنوثة: الرجل الذي يفترض أن يكون سبباً في الحمل يصبح هو الحامل، ويتحول جسده إلى موضع للخصوبة والانتفاخ والولادة.
ولذلك انتقلت بعض التعليقات من رفض الحكاية إلى مساءلة هيئة الراوي ورجولته:
«بالله هذي سوالف رجاجيل؟».
«كنت مطوع أول، ليه الحين مالط الشنب؟».
«وش يقول ذا الأملط؟».
هذا الانتقال شديد الدلالة؛ فعندما أربكت الحكاية التصور التقليدي للجسد الذكوري، حاول بعض المتلقين حماية ذلك التصور بالطعن في رجولة من يرويها. لم يعودوا يناقشون ما حدث للرجل داخل الحكاية، بل نقلوا المواجهة إلى جسد الراوي ومظهره.
والحال أن رواية خرافة عن رجل يحمل لا تعني الإيمان بإمكان حمل الرجال، مثلما أن دراسة أسطورة تتحدث عن كائن يطير لا تعني أن الباحث يطالب جمهوره بالإيمان بوجوده. غير أن القراءة الحرفية أزالت المسافة بين الراوي والمروي، وحمّلت ناقل الخرافة مسؤولية صدقها الواقعي.
ظهر في بعض التعليقات استدعاء لشخصيات ومفردات في سياق ديني ربما:
«رواية لمسيلمة الكذاب».
«كذبة مسيلمة ما تدق سلف عند ذا».
«وش الزندقة اللي في الفيديو؟».
«رواية عن أبو لهب؟».
تكشف هذه التعليقات أن بعض المتابعين نقلوا المادة فوراً من مجال الخيال الشعبي إلى مجال الصدق والكذب والاعتقاد الديني. ولم يميزوا بين الإيمان بالخرافة، وروايتها للتسلية، ودراستها بوصفها أثراً ثقافياً يكشف طريقة تفكير ما.
وقد تكون كلمة «الزندقة» هنا وسيلة دفاعية لحماية منظومة الاعتقاد من مادة ظن المتلقي أنها تنافس الحقيقة الدينية أو الطبيعية. فحين يعجز عن تصنيف الكلام، يضعه في أشد التصنيفات وضوحاً بالنسبة إليه: حق أو باطل، إيمان أو زندقة، صدق أو كذب.
ضحكي وضحك الجمهور:
لفتني كذلك اختلاف موقع الضحك بيني وبين المتابعين. كنت أضحكُ داخل الحكاية؛ لأنني أدرك غرابتها ومفارقتها وأعرف ما ستؤول إليه. أما بعض الجمهور فضحك على الحكاية وعلى راويها؛ محاولاً إبطال سلطتها عليه.
كان ضحكي يقول: «أعرف أن ما أرويه عجيب، وهذه العجائبية هي موضوع حديثنا».
أما ضحك بعض المتابعين فكأنه يقول: «سنحوّل الراوي وحكايته إلى مادة للضحك حتى لا تبقى لهما سلطة علينا».
ضحك الراوي صادر عن معرفة الحكاية واحتضان مفارقتها، أما ضحك المتلقي الرافض فصادر عن الصدمة ومحاولة احتوائها. الأول يؤكد سلطة السرد، والثاني يحاول استعادة سلطة الحكم.
السخرية وسيلةً لاحتواء الصدمة:
مع ذلك، لم تكن التعليقات كلها عدوانية؛ فقد أعاد بعض المتابعين إنتاج الحكاية بطريقة فكاهية:
«الرجال يحمل فقط في الجامعة».
«تصير يا رجال، يا ما حملت».
«طيب كمل، ولد وإلا بنت؟».
«طلعت بنت وإلا ولد؟».
«شدراك، مسولف معاه؟».
تؤدي السخرية هنا وظيفة نفسية وثقافية؛ فهي تحول الشيء الغريب والمربك إلى مادة يمكن الضحك عليها والسيطرة عليها. وبدل أن يبقى المتلقي حائراً أمام الرجل الذي حمل من فخذه، أدخله في لعبة لغوية، فنقل الحمل من معناه البيولوجي إلى حمل المواد الجامعية، أو تعامل مع الشخصية الخرافية كأنها رجل معاصر يمكن أن أسأله عما جرى له.
وهذه التعليقات، على الرغم من سخريتها، تثبت أن الحكاية نجحت في إثارة المشاركة وإطلاق الخيال. فالمتلقي لم يكتفِ بالإنكار، بل بدأ يسأل عن نهاية الحدث وجنس المولود، ويقترح تتمات ساخرة للحكاية.
الأسماء المستعارة وتحرر اللغة:
كانت غالبية التعليقات صادرة عن حسابات تحمل أسماء مستعارة وصوراً رمزية أو إيموجي. وهذه الهوية المحجوبة تخفف شعور صاحبها بالمسؤولية، وتمنحه جرأةً على استخدام ألفاظ ربما لا يقولها لو جلس أمام الراوي وجهاً لوجه.
فالاسم المستعار لا يحجب هوية المتابع فقط، بل يحرر جانباً من لغته المكبوتة. وعندما يرى تعليقاً ساخراً يحظى بالإعجاب، يحاول أن يكتب تعليقاً أشد طرافة أو قسوة. وهكذا تتكون عدوى لغوية يتحول فيها التفاعل من قراءة فردية للحكاية إلى أداء جماعي يسعى كل مشارك فيه إلى إثبات حضوره.
أما إيموجي الضحك، فلا يعبر عن الفرح وحده، بل يؤدي وظيفة اجتماعية؛ إذ يعلن صاحبه: «أنا أقف مع الجماعة التي ترى هذا الكلام مضححكاً وغير قابل للتصديق».
من يمتلك حق تحديد الحقيقة؟
تكشف هذه المواجهة عن سؤال أعمق: من يمتلك حق تعريف الكلام وتحديد قيمته؟
هل هو الراوي الذي يقول: «هذه خرافة شعبية لها منطقها الرمزي»؟
أم المتلقي الذي يقول: «كل ما يخالف الواقع كلام فارغ»؟
كان المتلقي يمارس سلطة الحقيقة الواقعية: ما لا يقع في الطبيعة لا ينبغي أن يُروى بهذه الثقة. وكنت أمارس، بوصفي باحثاً، سلطة المعرفة الثقافية: ما لا يقع في الطبيعة قد يقع في الخيال، ويستحق الدراسة؛ لأنه يكشف تصورات المجتمع ومخاوفه ورغباته.
لم يكن الخلاف بين طرف يعرف أن الرجل لا يحمل وطرف يجهل ذلك؛ فكلانا يعرف استحالة الأمر. وإنما كان الخلاف حول وظيفة الحكاية. حاكمها بعض المتابعين بمعيار مطابقتها للواقع، بينما كنت أقرأها بمعيار دلالتها الثقافية.
الخرافة التي كشفت جمهورها:
أسعدني هذا التفاعل؛ لأنه منحني مادةً بحثية لم تكن موجودة في الحكاية الأصلية. فقد أصبحت التعليقات امتداداً حديثاً لها، وكشفت عن طريقة استقبال الإنسان المعاصر للمادة الخرافية حين تُنتزع من سياقها وتوضع أمامه في منصة سريعة.
أرى أن ما جرى في هذا المقطع كان معركةً رمزية على سلطة المعنى. دخل المتلقي وهو يعتقد أنه المسيطر على المحتوى، فإذا بالخرافة تسلبه قدرته السريعة على التصنيف، وتضع أمامه مستحيلاً يُروى بثقة وابتسام. ولأن بعض المتابعين لم يمتلكوا الأدوات التي تنقلهم من القراءة الحرفية إلى القراءة الثقافية والرمزية، حاولوا استعادة سلطتهم بالضحك والإنكار والشتيمة والطعن في الراوي.
أنا سعيدٌ بذلك التفاعل؛ لأنه قدّم لي، بوصفي باحثاً، مشهداً حياً للصراع بين سلطتين: سلطة الراوي الذي يمتلك الحكاية وسياقها، وسلطة المتلقي الذي يمتلك التعليق والحكم وإعادة التأويل.
وبين هاتين السلطتين ولدت حكاية ثالثة: لم تعد حكاية الرجل الذي حمل من فخذه وحدها، بل حكاية جمهور معاصر صدمته خرافة قديمة، فكتب -من خلال تعليقاته الساخرة والغاضبة- فصلاً جديداً من حياتها.