
قيل في المثل: «اثنان لا يشبعان: طالب علمٍ وطالب مالٍ».
ولعلَّ أروع أنواع الجوع ـ إن كان في الجوع ما هو رائع ـ هو الجوع إلى المعرفة.
ذلك الجوع الذي لا يؤلمك، بل يوقظك.
لا يضعفك، بل يدفعك إلى البحث والسفر والسؤال، ويجعلك كلما ازددت علماً أدركت أن أمامك عوالم أخرى لم تطرق أبوابها بعد.
أن تنتمي إلى تخصُّصٍ ما، لا يعني أن تحصل على شهادةٍ فيه ثم تتوقف؛ بل يعني أن تظلَّ في حالة بحثٍ دائمٍ عن أسراره وخباياه، وأن تحاول الإحاطة بمصادره ومراجعه، سواءٌ وجدتها في كتابٍ قديم، أو وثيقةٍ نادرة، أو مؤتمرٍ علمي، أو لقاءٍ مع خبير، أو دورةٍ تدريبيةٍ تختصر عليك سنواتٍ من البحث والتجربة.
لهذا لم يكن التحاقي بالدورات التدريبية مجرَّد تسجيلٍ في برنامج، أو حضور ساعاتٍ تنتهي بشهادة.
الدورة التدريبية بالنسبة إليَّ حالة مزاجية ومعرفية.
حين أجد المعرفة التي أريدها، وفي التخصُّص الذي أحبُّه، أشعر بأنها تأتي إليَّ مثلما أذهب إليها.
أستقبلها بشغف، وأهيِّئ لها وقتي، وأُبعد عنها ما يزاحمها؛ لأنني لا أريد أن أحضر بجسدي فقط، بل أريد أن أدخل إليها بكامل روحي وانتباهي وأسئلتي.
إنني لا أتعامل مع الدورة بوصفها معلوماتٍ تُلقى عليَّ، بل بوصفها طقس عبورٍ من مرحلةٍ إلى أخرى.
فأنا قبل الدورة لستُ تماماً كما أكون بعدها.
قد تغيِّرني فكرةٌ واحدة.
وقد تعيد أداةٌ صغيرة ترتيب مشروعٍ كاملٍ في ذهني.
وقد يوقظ سؤالٌ عابر شيئاً ظلَّ ساكناً في داخلي سنوات.
وقد ألتقي مدرِّباً يرى في تجربتي ما لم أكن أراه، فيفتح أمامي طريقاً جديداً، أو يدلُّني على بابٍ كان قريباً مني، لكنني لم أنتبه إليه.
وهذه هي الدورة التي تستحقُّ وقت الإنسان وماله: الدورة التي تترك فيه أثراً بعد أن تنتهي.
أما المعرفة التي نُساق إليها اضطراراً، بطلبٍ من مديرٍ أو إدارة عمل، فقد تكون ثقيلةً على النفس، وربما استجبنا لها على مضض. وتكون الطامَّة أكبر حين لا نُوفَّق بمدرِّبٍ يمتلك حضوراً علميّاً وفكريّاً، وشخصيةً مستقلةً، وتجربةً حقيقيةً يستطيع أن يمنح منها الآخرين.
فالمدرِّب ليس شخصاً يقف أمام شاشةٍ ويقرأ ما كُتب في شرائح العرض.
وليس شخصاً يملأ وقت البرنامج بحواراتٍ طويلةٍ ومملَّةٍ حتى تنقضي الساعات.
وليس مهذاراً يظنُّ أن كثرة الكلام دليلٌ على التمكُّن.
المدرِّب الحقيقي نموذجٌ حيٌّ للمعرفة التي يقدِّمها.
هو عالمٌ متمكِّنٌ في تخصُّصه، يعرف كيف يدير معلوماته، وكيف ينتقي منها ما يحتاج إليه المتدرِّب، وكيف يحوِّل المعرفة من كلامٍ مجرَّدٍ إلى تجربةٍ قابلةٍ للفهم والتطبيق.
وهو أيضاً قادرٌ على اكتشاف مواهب المتدرِّبين والمتدرِّبات، واستنطاق ما في داخلهم من أسئلةٍ وطموحات، ومساعدتهم على معرفة ما يريدونه فعلاً من حياتهم ومشروعاتهم.
المدرِّب الحقيقي حاضنةٌ بشريةٌ للمعرفة.
يستوعب المتدرِّب، ويفهم احتياجه، ثم يأخذ بيده نحو المسار المناسب، بتوجيهٍ راقٍ، ونماذج تدريبيةٍ مشوِّقة، وخبرةٍ لا يستطيع الإنسان أن يجدها كاملةً في الكتب.
ولهذا يجذبني في أيِّ دورةٍ تدريبية أمران أساسيان:
الموضوع الذي أشعر أنني بحاجةٍ حقيقيةٍ إليه.
والمدرِّب الذي أثق بعلمه وتجربته وشخصيته.
وحين يجتمع الموضوع الجيِّد بالمدرِّب الكبير، لا أتردَّد في الذهاب إلى الدورة، حتى لو كانت خارج البلد، وحتى لو كان ثمنها المادي مرتفعاً؛ لأنني لا أنظر إلى العلم بوصفه مصروفاً عابراً، بل استثماراً يبقى أثره في العقل والعمل والحياة.
ومن أجمل متع الحياة عندي أن أسافر من أجل العلم.
سافرت إلى الأردن، ومصر، والمغرب، ودبي، والفلبين، والبحرين، وقطر، والكويت، والرياض، وجده، والدمام؛ لا من أجل رؤية الأمكنة وحدها، بل من أجل الجلوس في قاعات التدريب، والتعلُّم على أيدي أساتذةٍ كبارٍ في مجالاتهم.
كنت أعود من بعض تلك الرحلات محمَّلاً بأكثر من حقيبة.
حقيبةٌ فيها ملابسي وكتبي.
وحقيبةٌ أخرى غير مرئية، فيها أفكارٌ وأسئلةٌ وأدواتٌ وعلاقاتٌ وتجارب، ظلَّت ترافقني سنواتٍ طويلة.
وإلى هذه اللحظة ما زلت أجني ثمار تلك الرحلات، وأستفيد من أولئك المدرِّبين، وأستعيد بعض كلماتهم ومواقفهم كلما بدأت مشروعاً جديداً أو واجهت سؤالاً مختلفاً.
ولعلِّي أعمد في قابل الأيام إلى كتابة مذكِّراتي عن رحلتي مع الدورات التدريبية؛ لا لأستعرض أسماء البلدان والبرامج، بل لأكشف ما صنعته تلك التجارب في عقلي ومعرفتي ومسيرتي، وما تعلَّمته من الجوانب الثقافية والإنسانية الخفيَّة في مجال التدريب.
واليوم، وبعد هذه السنوات كلِّها، لا أزال متدرِّباً.
لا أزال مرتبطاً بعددٍ غير قليلٍ من الدورات الرقمية حول العالم، في ريادة الأعمال، والاستثمار، والصناعات الإبداعية. ولا أتعامل معها بوصفها ترفاً معرفيّاً، بل بوصفها روافد جديدةً تغذِّي تجربتي ومشروعاتي.
وكلُّ معرفةٍ أكتسبها لا أحبُّ أن تبقى حبيسة دفاتري.
إنني أختبرها، وأعيد التفكير فيها، وأربطها بتجربتي في التراث والثقافة، ثم أنقلها إلى من يريد أن يستفيد؛ في دورةٍ، أو مشروعٍ، أو كتابٍ، أو مقالةٍ، أو استشارة.
لذلك فإن الالتحاق بدورةٍ تدريبية لا يعني أنك قليل المعرفة، بل يعني أنك ما زلت متواضعاً أمامها.
ويعني أنك لم تسمح للخبرة أو العمر أو المنصب بأن توهمك بأنك وصلت.
ويعني أنك ما زلت جائعاً إلى العلم، حيّاً بالأسئلة، ومستعدّاً لأن تعيد بناء نفسك مرَّةً أخرى.
حين تلتحق بدورةٍ تدريبية، لا تسأل فقط:
كم ساعةً تستغرق؟
وكم ثمنها؟
وما الشهادة التي سأحصل عليها؟
بل اسأل السؤال الأهم:
ما الشيء الذي يمكن أن يتغيَّر في داخلي بعد هذه الدورة؟
فالبرنامج الجيِّد لا يضيف إلى ملفِّك شهادةً جديدةً فحسب، بل قد يضيف إلى حياتك طريقاً لم تكن تعرفه.
وربما تكون ساعةٌ واحدةٌ من المعرفة هي الساعة التي تقسِّم حياتك إلى زمنين:
ما قبلها… وما بعدها.